جلال الدين السيوطي
329
الإتقان في علوم القرآن
أحدها : حسن الوقف . ثانيها : حسن الابتداء . ثالثها : حسن الأداء . رابعها : عدم التركيب ؛ فإذا قرأ لقارئ لا ينتقل إلى قراءة غيره حتى يتمّ ما فيها ، فإن فعل لم يدعه الشيخ بل يشير إليه بيده ؛ فإن لم يتفطّن ، قال : لم تصل ، فإن لم يتفطّن مكث حتى يتذكّر ، فإن عجز ذكر له . الخامس : رعاية الترتيب في القراءة والابتداء بما بدأ به المؤلّفون في كتبهم ، فيبدأ بنافع قبل ابن كثير ، وبقالون قبل ورش . قال ابن الجزري « 1 » : والصواب أنّ هذا ليس بشرط بل مستحب ، بل الذين أدركناهم من الأستاذين لا يعدّون الماهر إلّا من يلتزم تقديم شخص بعينه . وبعضهم كان يراعي في الجمع التّناسب : فيبدأ بالقصر ، ثم بالرتبة التي فوقه ، وهكذا إلى آخر مراتب المدّ . ويبدأ بالمشبع ، ثم بما دونه إلى القصر . وإنّما يسلك ذلك مع شيخ بارع عظيم الاستحضار ، أمّا غيره فيسلك معه ترتيب واحد . قال : وعلى الجامع أن ينظر ما في الأحرف من الخلاف أصولا وفرشا ، فما أمكن فيه التداخل اكتفى منه بوجه ، وما لم يمكن فيه نظر : فإن أمكن عطفه على ما قبله بكلمة أو كلمتين أو بأكثر من غير تخليط ولا تركيب اعتمده ، وإن لم يحسن عطفه رجع إلى موضع ابتدائه حتى يستوعب الأوجه كلها ، من غير إهمال ولا تركيب ولا إعادة ما دخل : فإن الأوّل ممنوع ، والثاني مكروه ، والثالث معيب . وأمّا القراءة بالتلفيق ، وخلط قراءة بأخرى : فسيأتي بسطه في النوع الذي يلي هذا . وأما القراءات والروايات والطرق والأوجه : فليس للقارئ أن يدع منها شيئا أو يخلّ به ؛ فإنّه خلل في إكمال الرواية ، إلّا الأوجه ، فإنّها على سبيل التخيير ، فأيّ وجه أتى به أجزأه في تلك الرواية . وأما : قدر ما يقرأ حال الأخذ : فقد كان الصدر الأوّل لا يزيدون على عشر آيات لكائن من كان ، وأمّا من بعدهم فرأوه بحسب قوّة الآخذ . قال ابن الجزريّ : الذي استقرّ عليه العمل الأخذ في الإفراد بجزء من أجزاء مائة وعشرين ، وفي الجمع بجزء من أجزاء مائتين وأربعين ، ولم يحدّ له آخرون حدّا ، وهو اختيار السخاويّ .
--> ( 1 ) في النشر 2 / 204 .